الطريقة النقشبندية الصوفية - شمال إيطاليا

italian


بسم الله الرحمان الرحيم


 
سلطان الاولياء الشيخ عبدالله الدغستاني
 



 

سلطان الاولياء الشيخ عبدالله فائز الدغستاني المنسوب من أبيه بسيدنا عثمان بن عفان ومن والدته بسيدنا المقداد بن الأسود وشغل والده منصب رئيس الأطباء في منطقته المولود في قرية من قرى قفقاس أسمها  كيكونوا  سنة 1294هـ 1877م ويقول الشيخ عدنان القباني في كتابه الفتوحات الحقانية أنه ولد عام 1303هـ و أنه أصغر من الشيخ شرف الدين بعشر سنوات وتوفي الشيخ شرف الدين سنة 1354هـ وكان من العمر ثلاث وستون عاماً قمرياً.


وفي فترة ظهور الشيخ كان الوضع في داغستان أشبهه بالرماد المتراكم على الجمر الملتهب ، أدت ذلك إلى تهجير داخلياً وخارجياً ثم اندلعت بعض الثورات اليائسة ، ويقول ففي هذا التوتر ولد الشيخ عبد الله في منبت مؤمن طاهر ذلك المربي والصوفي الجليل والمجاهد العظيم ساطان الاولياء الشيخ عبد الله الفائز الداغستاني وعلى وجه التقريب لا الدقة أن قريته قريب من غيمري بلد الشيخ شامل وغازي محمد.تربى الشيخ عبد الله في بيئة صوفية نقشبندية و من سلسلة أبي أحمد ألثغوري عن جمال الدين الغموقي ورأى بأم عينه كيف ينتهك بلاده ودينه من قبل الغزاة الروس.

 

الرحيل إلى بلاد الله الواسعة إلى الدولة العثمانية برفقة كل من الشيخ عبد الرشيد أفندي والشيخ أبو محمد المدني والطبيب الشيخ محمد علي حسين و أن القافلة كانت مؤلفة من ثمانمائة عائلة منهم أستوطن في تركيا ومنهم إلى شرقي الأردن.
وعلى طلب والده تعلم القراءة والكتابة وتعلم من شيخه أبي أحمد ألثغوري القرآن والفقه الشافعي والاخلاق وأصول الدين وتعلم من الشيخ شرف الدين في الرشا دية واجتهاد والعلوم الظاهرية والكشفية وحفظ المنقول والمعقول ما يبهر الألباب وأنشغل مع أهله وجيرانه في بناء القرية وإصلاح الأراضي كما وتعلم قصص الصالحين وشيء من النحو العربي وتعلم من والده الطب بإتقان وبايع الشيخ شرف الدين عندما استلم من خاله الشيخ أبو محمد المدني وكان أول المريدين في التعلم والعمل والاجتهاد في الأوراد والأذكار والعبادات والتضرع إلى الله تعالى ويقول الشيخ عبد الله ( لاشي في الدنيا يستحق أن نضيع عمرنا من أجله إلا الذي خلق النفس والنفس والدنيا فاعمل له لا لغيره تكسب سعادة الدارين ) اشتدت اهتمامه بالعبادة والطاعة وتلاوة القرآن ودخل الخلوة لمدة خمس سنوات كاملة ن وعمل مؤذناً في المسجد ن وتوفي والده في هذه الفترة وعودة أخيه إلى بلده لاستقرار البلاد لبعض الشيء وبقية والدته معه ، تزوج من أمرآة أسمها حليمة ولم يساق إلى الخدمة العسكرية العثمانية كون سجل وحيداً ويقول في وصفه عن الذين يركضون وراء الدنيا بأنهم ( وخلق الإنسان مجنوناً ) ويقول شيخنا الجليل حسين العلي أنه عندما سمع منه تذكر قول الله تعالى ( وخلق الإنسان ضعيفاً ) وقرأت ( وكان الإنسان عجولاً ) كان الشيخ عبد الله قليل في طعامه وكلامه إلا في النصيحة وقليل النوم لآن قلة النوم هو صفات الكرام وكان يشعر بجوع الفقراء ويقول الشيخ عبد الله أن أول بلاء نزل بالمسلمين بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام (( الشبع فلما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم وضعفت قلوبهم فجمحت شهواتهم كما كانت عائشة رضي الله عنها تقول ( اترك النوم للقبر والطعام للثيران واللغو للكلاب وكن عبداً لله ليس له هم إلا إرضاء سيده الذي هو رب العالمين.

 



الشيخ شرف الدين
 

في عام 1914 طلب الشيخ شرف الدين لأداء فريضة الجهاد ضد الإنكليز فقدم الشيخ عبد الله نفسه بدلاً من الشيخ شرف الدين لأن الأمة بحاجة إلى الشيخ شرف الدين ، إلى مأمورية المنطقة في يلوة وبعد جدال بينه وبين شيخه وإصراره أبدله المأمور وألبسه لأول مرة اللباس العسكري العثماني ونقل إلى جبهة البوسفور و الدردنيل وحارب في موقعة جنا قلعة وأصابته رصاصة طائشة في صدره وبقي اثنا عشر يوماً جريحاً ولم يخرج الرصاصة من صدره كونها قريبة من أغشية القلب ودفنت معه في ضريحه في الشام.

ثم نقل من الجهاد إلى الرباط في القدس تسعة أشهر وكانت المدة بالنسبة له الخلوة بل أعظم فقد جمع فيها بين القيام بالطاعات والذكر في ثالث الحرمين الشريفين.

وانتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة العثمانيين واقتسام المنتصرين أملاك هذه الدولة.ثم سرح الشيخ عبد الله من خدمة الجيش حاملاً جرحاً في قلبه وآخر في عقله ومشاعره نتائج خسارة المسلمين نشط علماء المسلمين ومشايخهم رغم صعوبات الإنكليز عن كتم الأنفس وباتوا يسخرون من الإسلام علناً وفي فترة وجيزة استولى الضابط التركي الماسوني مصطفى كمال على السلطة الذي تربي في سلانيك مقر المحافل الماسونية وساعده في خلع السلطان عبد الحميد / عزيز المصري وقائد الحملة آنذاك محمود شوكت فتقرب من علماء الدين ثم انقلب عليهم وقد ألغى مصطفى كمال التعليم الديني في /15/ فبراير 1924 مع قراري إلغاء الخلافة ووزارة الأوقاف والشؤون الشرعية وتوحيد التعليم في /3/ مارس 1924 وطرد كل أفراد آل عثمان خارج البلاد وأصدر في عام 1925 قانون الملابس في تركيا وتبديل الطربوش بالقبعة ، وبهذه الفترة لم يهدأ الأوضاع وصار ينتقل من قرية إلى قرية في نشر التعاليم الصوفية.
بهذه الفترة الصعبة من الأوضاع الداخلية والخارجية أنتقل إلى رحمة ربه الشيخ شرف الدين سنة 1354هـ 1935م بجلطة قلبية وهو يتوضأ فقد الشيخ عبد الله المربي والمرشد والدليل والإمام والداعي ويقول أن الشيخ لم يمت بينهم إلا جسداً ويستشهد بقول الله تعالى ( وبشر الصابرين الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )
وبعد وفات الشيخ شرف الدين ألتف مريدي الشيخ حول الشيخ عبد الله أفندي واعتبروه خليفة الشيخ الأوحد رغم وجود آخرين ولكن الشيخ عبد الله يختلف عنهم بشهادة الشيخ شرف الدين
 


الشيخ عبدالله الدغستاني 1945

نصيحة الشيخ شرف الدين للشيخ عبد الله قبل وفاته بعامين أو اقل قال :
( ولدي إن الله عز وجل لم يشأ لي باب السكنى في الشام ولكنني أسال الله عز وجل أن لا يحرمك من ذلك فإن الوضع هنا خطير ولا ينجيك إلا الهجرة في سبيل الله فالوعظ هنا ما عاد يفيد فالكفر في هذه الأيام تسلح ضدنا ) وقد زاره القنصل المصري استانبول (لملوم باشا) بعد وفات الشيخ شرف الدين كان يحب الشيخ وطلب منه أن يزوجه إحدى بناته فأجاب الشيخ بأنه ليس عنده بنات عز وبات بل عنده (مديحة ) فزوجها على سنة الله ورسوله وبعد انتهائه من الخدمة سكنوا في الإسكندرية بمصر وأراد الشيخ أن يزوراهما سنة 1356هـ 1937م فباع كل ما يملكه ولكن أهالي القرية وأولاده رفضوا بالرحيل للشيخ ولكن أصر على ذلك بسبب الأوضاع الأمنية ورافق أبا بكر الداغستاني بمفرده عن طريق ديار بكر – نصيبين – القامشلي – حلب – دمشق ولكن سافر الشيخ عن طريق أنطا كية – باب الهوى – حلب – دمشق دفعهم على ذلك للتضليل مخابرات أتاتورك والبحث عن الشيخ أحمد اللامع بقي الشيخ عبد الله ليال في حلب في فندق ( سوريا ولبنان ) وفي حلب التقى مع أحد مريديه الشيخ اللامع فأرسل معه برسالة إلى جبل الأكراد طالباً الالتحاق به في الشام فيقول العلامة الفاضل الشيخ حسين ( كان احمد اللامع عندنا في القرية وجاءته الرسالة باسم رجل اسمه عبد الله أفندي فتساءل احمد اللامع من هو عبد الله أفندي ويطلب منه الالتحاق به في الشام بجامع الدقاق ويقول الشيخ حسين حين سمع بهذا الرجل استدان من أحد مريده في القرية أنه تحمس لرؤيته فوصل رسالة من الشيخ اللامع إلى الشيخ حسين ويقول فيها : إلى حسين أفندي وبعد السلام قال : ( إن عبد الله أفندي ذاك رجل من الأولياء العظام والمشايخ الفخام ) فسافر الشيخ حسين إلى الشام وهناك ركب الترام إلى جامع الدقاق في الميدان فسألنا عند استقبالنا من قبل رجل داغستاني اسمه (صبغة الله ) وهو من المهاجرين فأخذنا إلى بيته وبعدها دق الباب من قبل الشيخ أحمد اللامع ثم أكلنا وذهبنا إلى جامع الدقاق فستقبلنا أبو بكر وهو خادم الشيخ عبد الله وبعد صلاة العشاء خرج الشيخ عبد الله من خلوته ومن عادتهم لا يتكلمون في الخلوة ولكن تكلم مع الشيخ حسين أكثر من ساعة وهذا القول للشيخ حسين العلي ، ثم أشار الشيخ عبد الله إلى لباس الشيخ حسين الذي كان يلبس يومها طربوشاً كردياً فلكلورياً خيطته أمه له ويقول الشيخ حسين كأنه لم يعجبه كما فعل الشيخ خالد بخاص محمد حيث لم يعجبه زينة بلاده وآثر التواضع على الزينة ن فاستبدل بغطاء الرأس بالعمامة  وبعد الانتهاء من الخلوة بعد أربعين يوماً ذهب إلى الإسكندرية وطلق ابنته من لملوم باشا الذي لم يستطيع أن يقاوم أهله وأجبروا ابنتها مديحة بترك الصلاة ولبس لباسهم وحضور مجالسهم الفاسدة ورجع عن طريق البحر إلى بيروت ثم دمشق فسكن في فندق ثم في دار للأوقاف ثم في زاوية الشيخ حسن الجباوي وقد أعانه إمام جامع الدقاق .
 

 

وبعد وفات الشيخ أحمد اللامع ودفنه بعد صلاة العصر سنة 1359هـ 1940م فأرسلوا الخبر لأولاده فلم يحضر أحد منهم ثم أخذ مريدوه العهد على الشيخ عبد الله ويقول الله في كتابه العزيز ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ) سورة النساء الآية (69) ، ثم دخل الخلوة وبرفقته الشيخ حسين العلي سنة 1360هـ 1941م في جامع النقشبندي في حي الميدان ، ثم اتصل بعلماء الشام ومشايخهم متباركاً بهم متعلماً منهم ومعلماً ومربياً لههم - كما واتصل بمشايخ وعلماء الأطراف :
مدينة حمص : منهم الشيخ سعيد السباعي
بيروت : الشيخ توفيق الهبري – والشيخ مختار العلايلي – والشيخ عبد الله العلايلي
مدينة حلب : الشيخ العزوزي – والولي العارف الشيخ شهيد – والعارف الشيخ رجب الطائي – والشيخ ولي وشيخ القراء – والشيخ نجيب خياطة – والشيخ العالم عبد الرحمن خياطة – والشيخ كامل السرميني والشيخ أحمد المصري والشيخ محمد النبهان والشيخ أحمد عز الدين البيانوني والشيخ محمد الخوجة ومحدث حلب وأبن محدثها الشيخ عبد الله سراج الدين والشيخ عبد اللطيف بادنجكي والشيخ عبد الرؤوف بادنجكي والشيخ طاهر خير الله والشيخ محمد زين العابدين الجذبة والتقى بالشيخ الطريقة النقشبندية الكبير محمد أبو النصر الحمصي ، فسأل الحمصي الشيخ عبد الله الداغستاني هل تعرفني قال لا بل أعرف أباك الشيخ سليم رحمه الله أما أنت فلم أكن أعرفك قبل اليوم ، فنظر الحمصي إلى مريدية بتواضع عظيم ويقول لهم إن الشيخ يعرف والدي في ديوان الأولياء أما أنا فلم أبلغ ذلك المقام
وفي مدينة دمشق ألتقي بكل من : الشيخ إبراهيم الغلاييني والشيخ محمد الغلاييني والشيخ مكي الكتاني والشيخ أحمد كفتا رو والشيخ عادل الدادا والشيخ عبد الحكيم النير والشيخ صبحي خيزران والشيخ محمد أبو الخير الميداني والشيخ سعيد البر هاني والشيخ محمد الهاشمي والشيخ أحمد الحارون وغيرهم أمضى الشيخ عبد الله في الشام أياماً عصيبة ، قاسى فيها الفقر والضيق الشيء الكثير مع كبر سنه ويقول الشيخ حسين انه اشترى لشيخه بيته الذي في قاسيون الآن كما اشترى بجواره قطعة أرض صغيرو بأمرمن شيخه أ قام عليها  مسجداً سماه ( مسجد المهدي ) –

ويقول الشيخ حسين أن هذا الجامع قد أشيد على دفعات ودام العمل في تشيد المسجد في بنائه حتى تمامه خمسة وستين يوماً .

 

 


 
الشيخ ناظم والشيخ عبد الله و الشيخ حسين 1949 

كما قام الشيخ بجولات في المناطق السورية وخاصة مدينة حلب وجبل الأكراد وتعرف على علمائها ، وكانت أغنى زيارة له في حلب سنة 1959م وبرفقته الشيخ ناظم والشيخ حسين والحاج محمد هلال محا يري وأبو بكر الداغستاني والشيخ عمر حسن من جبل الأكراد ومكث في منزل الشيخ فاروق عتقي ليلة ثم منزل الحاج هلال المحا يري في باب قنسرين ، ومن بعد صلاة العصر حتى صلاة العشاء كان يزور معالم حلب وعلماءها وطلاب العلم ودامت هذه الزيارة خمسة عشر يوماً ويقول الشيخ فاروق أن الشيخ عبد الله كان لا يتكلم في مجلس بكلام تكلم به من قبل لسعة فكره وإلمامه بعلوم الدين 
وقد أوصى الشيخ محيي الدين بن عربي الإمام فخر الدين الرازي حيث قال له في رسالته الشهيرة إليه : ( فارفع الهمة في أن لا تأخذ علماً إلا منه سبحانه على الكشف فإنه عند المحققين أن لا فاعل إلا الله فإذن لا يأخذون إلا عن الله لكن كشفاً لا عقلاً وما فاز أهل الهمة إلا بالوصول إلى عين اليقين أنفة بقاء مع علم اليقين )

قال الشيخ عبد الله ماذا أعددتم لها وباستطاعة الدولة أن تقصف كل المدن ما هو ردكم دون حكمة أنتم العلماء يجب أن تكونوا حكماء أيضاً ( يوتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) صورة البقرة ص 269
فأرشدهم بهذا القول ( العاقل يندم قبل العمل ويراجع نفسه لكن الأحمق هو من يندم بعد العمل ) فطلب منهم ورقة كما جاء في كتاب الطريقة النقشبندية – فقد بشرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحل المشكلة اليوم في الرؤيا بإعطائي مفتاحين كبيرين – وليترجم حسين واكتبوا بصيغة جيدة تناسب مراسيم الرئاسة : ( إلى فخامة الرئيس إننا مسلمون وتأبى نفوسنا أن نخضع لغير حكم الله فينا وإن ما رأيته منا اليوم هو طلب ورجاء وليس عدوان على الدولة أو تمرد كما فسر لكم إننا ندعو لكم بالخير ونرجو أن تنظروا في هذا المر وكذلك أمر المعتقلين منا والسلام عليكم ) 0
وقال خذها أنت وثلاث منكم يفتح الله عليكم إن شاء الله وتكونون قد بلغتم ويبقى الذنب ذنبه ثم إنهم ذهبوا بالرسالة إلى الرئيس الشيشكلي وقال لهم أذهبوا إلى بيوتكم وسيخرج المعتقلون منكم وسننظر في الأمر فإن أمراً كهذا لا يكون بين عشية وضحاها  فحج الشيخ سنة 1954/1955م ومعه زوجتيه ( حليمة وصبيحة ) ومعه كل من الشيوخ الشيخ ناظم والشيخ حسين والشيخ فاروق عتقي وبسبب المشقة التي تلقوه مرضت السيدة حليمة وماتت ودفنت في المزدلفة. فذهب الشيخ مرات إلى المدينة المنورة بنية الخلوة سنة /1948/م و/ 1958م/وسنة 1960م / وسنة/ 1965م / وفي آخر زيارته للمدينة المنورة.
 
 


الشيخ عبدالله الدغستاني 1973

 

 

بعد مراحل من مرضه انتقل إلى جنان الرضا في 4 رمضان 1393هـ /30/ أيلول /1973/م فرحمه الله تعالى وقدس سره وأعلى درجاته عنده إنه سميع مجيب وفي اليوم التالي غسل وكفن وصلوا عليه في جامع الشيخ محيي الدين ودفن في مسجده في الزاوية الشمالية الشرقية  ويقول مؤلف الفتوحات الحقانية الشيخ عدنان قباني ( وهكذا كان قدس الله سره الأب والأم والمرشد الحنون ومجير الضعيف ومقري الضيف ومعين المحتاج وواصل الرحم والرفيق الشفيق صاحب القلب النور والنفس القدس وصاحب اليد البيضاء على الأمة وعلى أهل الطريقة النقشبندية العلية وكان يقول : كلكم أحبائي يا عباد الله وأنا خادمكم فلا تؤاخذوني وسامحوني .

 

 

 
2002  الشيح ناظم و الشيخان عدنان و هشام  قباني في المقام لشيخ عبدالله الدغستاني ـ جبل قاسيون
بسم الله الرحمان الرحيم

 
مولانا خالد البغدادي النقشبندي

 

مولانا الشيخ خالد أبو البهاء ضياء الدين النقشبندي ،العالم العلامة،  والعلم الفهامة، مالك أزمة المنطوق والمفهوم، ذو اليد الطولى في العلوم، من صرف ونحو وفقه ومنطق ووضع وعروض ومناظرة وبلاغة وبديع وحكمة وكلام وأصول وحساب، وهندسة واصطرلاب، وهيئة وحديث وتصوف، العارف المسلك مربي المريدين، ومرشد السالكين، ومحط رجال الوافدين، وأمه ينتهي نسبها إلى الولي الكامل الفاطمي بير خضر المعروف النسب والحال بين الأكراد قدس سره.

ولد رضي الله عنه سنة ألف ومائة وتسعين تقريباً بقصبة قره داغ من أكبر سناجق بابان، وهي عن السليمانية نحو خمسة أميال تشتمل على مدارس، وتكتنفها الحدائق، وتنبع فيها عيون عذبة السلسال، ونشأ فيها وقرأ ببعض مدارسها القرآن، والمحرر للإمام الرافعي في فقه الشافعية، ومتن الزنجاني في الصرف وشيئاً من النحو، وبرع في النثر والنظم قبل بلوغ الحلم، مع تدريب لنفسه على الزهد والجوع والسهر والعفة التجريد والانقطاع على أقدم أهل الصفة.

ثم رحل لطلب العلم إلى النواحي الشاسعة، وقرأ فيها كثيراً من العلوم النافعة، ورجع إلى نواحي وطنه، فقرأ فيها على العالم العامل، والنحرير الفاضل، ذي الأخلاق الحميدة، والمناقب السديدة، السيد الشيخ عبد الكريم البرزنجي رحمه الله تعالى، وعلى العالم المحقق الملا محمد صالح، وعلى العالم المحقق الملا إبراهيم البياري، والعالم المدقق السيد الشيخ عبد الرحيم البرزنجي أخي الشيخ عبد الكريم، والعالم الفاضل الشيخ عبد الله الخرباني.

ثم رحل إلى نواحي كوى وحرير، وقرأ شرح الجلال على تهذيب المنطق بحواشيه على العالم الذكي، والنحرير الألمعي، الملا عبد الرحيم الزيادي المعروف بملا زاده. وأخذ في تلك النواحي غير ذلك عن غيره فعاد إلى قصبة كوى، للأخذ عن العالم العامل، الورع الكامل، ذي الفضل الجلي، الملا عبد الرحمن الجلي، رحمه الله تعالى، فصادفه مريضاً مرضه الذي توفي فيه.

ورجع إلى السليمانية ثانياً فقرأ فيها وفي نواحيها الشمسية والمطول والحكمة والكلام وغير ذلك، وقدم بغداد وقرأ فيها مختصر المنتهى في الأصول، ورجع إلى محله المأهول، وحيث حل من المدارس، كان فيها الأتقى الأورع السابق في ميادين التحقيق كل فارس، لا يسأل عن مسئلة من العلوم الرسمية إلا ويجيب بأحسن جواب، ولا يمتحن بغويصة من تحفة ابن حجر أو تفسير البيضاوي إلا ويكشف عن وجوه خرائد الفوائد النقاب، وهو يستفيد ويفيد، ويقرر ويحرر فيجيد، إلى إنصاف وذكاء خارق، وقوة حافظة بذهن حاذق، ومهما دقق في درسه على ما يريد، يعز أساتذته عن إرضاء ذهنه القائل لسان حاله هل من مزيد، وطال ما ألقى السؤال، واستشكل الإشكال، فلم يكن المجيب إلا هو بأبدع منوال، هذا مع تصاغره لدى الأساتذة والأقران، وتجاهله عن كثير من المسائل مع العرفان، حتى أنه يقرأ من الكتب الصعبة ما لم يصل إذ ذاك إلى قراءته، بتحقيق يتحير فيه أهل مادته، فاشتهر خارق علمه، وطار إلى الأقطار صيت تقواه وذكائه وفهمه، إلى أن رغب بعض الأمراء في نصبه مدرساً قبل التكميل في إحدى المدارس، وأن يوظف له وظائف ويخصه بالنفائس، فلم يجبه إلى هذا المرام، زهداً فيما لديه من الحطام، قائلاً إني الآن لست من أهل هذا المقام،

فرحل بعدها إلى سندج ونواحيها وقرأ فيها العلوم الحسابية والهندسية، والاصطرلابية والفلكية، على العالم المدقق جغميني عصره، وقوشجي مصره، من في إشارته شفاء كل داء، ونجاة كل عليل بالجهل سقيم، الشيخ محمد قسيم النندجي، وكمل عليه المادة، على العادة، فرجع إلى وطنه قاضي الأوطار، وصيته إلى أقصى الأقطار طار، فولي بعد الطاعون الواقع في السليمانية عام ألف ومائتين وثلاثة عشر تدريس مدرسة أجل أشياخه المتوفين بالطاعون المذكور السيد عبد الكريم البرزنجي، فشرع يدرس في العلوم، وينشر المنطوق منها والمفهوم، غير راكن إلى الدنيا ولا إلى أهلها، مقبلاً على الله تعالى متبتلاً إليه بأصناف العبادات فرضها ونفلها، لا يتردد إلى الحكام، ولا يحابي أحداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ الأحكام، لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو نافذ الكلمة محمود السيرة يأخذ بالعزائمن حتى صار محسود صنفه، عزيزاً في وصفه، مع الصبر
على الفقر والقناعة، واستغراق الأوقات بالإفادة والطاعة،" اهـ

"إلى أن جذبه سنة ألف ومائتين وعشرين شوق الحج إلى بيت الله الحرام، وتوق زيارة روضة خير الأنام، عليه الصلاة والسلام، فتجرد عن العلائق، وخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله الصادق، فرحل هذه الرحلة الحجازية من طريق الموصل وديار بكر والرها وحلب والشام، واجتمع بعلمائها الأعلام، وصحب في الشام ذهاباً وإياباً العالم الهمام، شيخ القديم والحديث، ومدرس دار الحديث، الشيخ محمد الكزبري رحمه الله تعالى وسمع منه وأخذ عليه، فقربه وقر به عيناً وفاز بما لديه من علو الإسناد، وإجازات المسلسلة الجليلة المفاد، وصحب تلميذه كذلك الأخص الأصفى الشيخ مصطفى الكردي متع الله الطلاب بطول حياته، فأجازه لشيخه بأشياء، منها الطريقة العلية القادرية، فخرج منها على جادة العزائم بأحسن قدم، يطعم ولا يطعم، فوصل المدينة المنورة، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم بقصائد فارسية بليغة محررة، ومكث فيها قدر ما يمكث الحاج، وصار حمامة ذلك المسجد الوهاج،

قال وكنت أفتش على أحد من الصالحين، لأتبرك ببعض نصائحه لعلي أعمل بها كل حين، فلقيت
شيخاً يمنياً متربضا، عالماً عاملاً صاحب استقامة وارتضا، فاستنصحته استنصاح الجاهل المقصر، من العالم المستبصر، فنصحني بأمور، منها: لا تبادر بالإنكار في مكة على ما ترى ظاهره يخالف الشريعة، فلما وصلت إلى الحرم المكي الشريف وأنا مصمم على العمل بتلك النصيحة البديعة، بكرت يوم الجمعة إلى الحرم، لأكون كمن قدم بدنة من النعم، فجلست إلى الكعبة الشريفة أقرأ الدلائل، إذ رأيت رجلاً ذا لحية سوداء عليه زي العوام قد أسند ظهره إلى الشاذروان ووجهه إلي من غير حائل، فحدثتني نفسي أن هذا الرجل لا يتأدب مع الكعبة، ولم أظهر عتبه، فقال لي يا هذا ما عرفت أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة فلماذا تعترض على استدباري الكعبة وتوجهي إليك، أما سمعت نصيحة من في المدينة وأكد عليك، فلم أشك في أنه من أكابر الأولياء، وقد تستر بأمثال هذه الأطوار عن الخلق، فانكببت على يديه وسألته العفو وأن يأمرني بدلالته على الحق، فقال لي فتوحك لا يكون في هذه الديار، وأشار بيده إلى الديار الهندية، وقال تأتيك إشارة من هناك فيكون فتوحك في هاتيك الأقطار، فأيست من تحصيل شيخ في الحرمين يرشدني إلى المرام، ورجعت بعد قضاء المناسك إلى الشام، انتهى.

فاجتمع ثانياً بعلمائها، وحل في قلوبهم محل سويدائها، فأتى إلى وطنه بعد قضاء وطره بالبركات، وباشر تدريسه بزيادة على زهده الأول وعدة الحسنات الأول سيئات، مستقيماً على أحسن الأحوال، متشوقاً إلى مرشد يسلك عنده طريق فحول الرجال، إلى أن أتى السليمانية شخص هندي من مريدي شيخه الآتي وصفه، فاجتمع به وأظهر احتراقه واشتياقه لمرشد كامل يسعفه، فقال الهندي إن لي شيخاً كاملا، مرشداً عالماً عاملاً، عارفاً بمنازل السائرين إلى ملك الملوك، خبيراً بدقائق الإرشاد والسلوك، نقشبندي الطريقة، محمدي الأخلاق علماً في علم الحقيقة، فسر معي حتى نسعى إلى خدمته في جهان أباد، وقد سمعت إشارة بوصول مثلك هناك إلى المراد، فانتقش القول في قلبه، وأخذ بمجامع لبه، وعزم على المسير بالتجريد تاركاً منصب التدريس والوظائف،

فرحل سنة ألف ومائتين وأربع وعشرين الرحلة الأخرى الهندية من طريق الري، يطوي بأيدي العيس بساط البيداء أسرع طي، فوصل طهران، وبعض بلاد إيران، والتقى مع مجتهدهم المتضلع بضبط المتون والشروح والحواشي، إسماعيل الكاشي، فجرى بينهما البحث الطويل، بمحضر من جمهور طلبة إسماعيل، فأفحمه إفحاماً أسكته، وأنطق طلبته، بأن ليس لنا من دليل، وقد أشار إلى هذه الواقعة في قصيدته العربية، متخلصاً لمدح شيخه الآتية أوصافه العذبية، ثم دخل بسطام وخرقان وسمنان ونيسابور، وزار إمام الطريق البحر الطامي، الشيخ أبا يزيد البسطامي، قدس سره، ومدحه بمنظومة فارسية، وزار في تلك البلاد، من الأولياء الأمجاد، حتى وصل طوس، وزار بها مشهد السيد الجليل المأنوس، نور حدقة البتول والمرتضى، الإمام علي الرضا، ومدحه بقصيدة غراء فارسية، أذعن لها الشعراء الطوسية ولظهور البدع فيها عجل الارتحال والقيام، إلى تربة شيخ مشايخ الجام، شيخ الإسلام، الشيخ أحمد النامقي الجامقي، فزاره ومدحه بمقطوعة فارسية بديعة فدخل بعدها بلدة هراة من بلاد الأفغان، واجتمع مع علمائها بالجامع فجاوره في ميدان الامتحان، فوجدوه بحراً لا ساحل له، وأقر كل منهم بالفضل له، فانثنى يحل لهم ما أشكل عليهم من المسائل بأبلغ مقال، ولما رحل عنهم ودعوه بمسير أميال، لما شاهدوه فيه من بديع الحال، فسار في مفاوز يضل فيها القطا، ويخفق قلب الأسد مخافة خوارج الأفغان المقتحمين مهالك السطا، حتى وصل قندهار وكابل، فاجتمع بجمع غفير من علماء البلد المذكور وامتحنوه بمسائل، من علم الكلام وغيره فرأوه فيها كالسيل الهائل، والغيث الهاطل، " اهـ

"ثم رحل إلى بلد لاهور فسار منها حتى وصل إلى قصبة فيها العالم النحرير، والولي الكبير، أخو شيخه في الطريقة والإنابة إلى مولاه، الشيخ المعمر المولى ثناء الله النقشبندي، فطلب منه الإمداد بالدعاء، قال فبت في تلك القصبة ليلة فرأيته في واقعة أنه قد جذبني من خدي بأسنانه المباركة يجرني إليه وأنا لا أنجر، فلما أصبحت ولقيته قال لي من غير أن أقص عليه الرؤيا سر على بركة الله تعالى إلى خدمة أخينا وسيدنا الشيخ عبد الله مشيراً إلى أن فتوحي سيكون عند الشيخ المقصود، وهناك تؤخذ المواثيق والعهود، وتنجز الوعود، فعرفت أنه قد أعمل همته الباطنية العلية ليجذبني إليه، فلم يتيسر لقوة جاذبة شيخي المحول فتحي عليه،

فرحلت من تلك القصبة أقطع الأنجاد والوهاد، إلى أن وصلت دار السلطنة الهندية، وهي المعروفة بجهان أباد بمسير سنة كاملة، ولقد أدركتني نفحاته وإشاراته قبل وصول بنحو أربعين مرحلة، وهو أخبر قبل ذلك بعض خواص أصحابه بوفودي إلى أعتاب قبابه، وليلة دخوله على جهان أباد أنشأ قصيدته العربية الطنانة من بحر الكامل يذكر فيها وقائع السفر، ويتخلص لمدح شيخه قدس الله سره الأنور، ويستعطفه سائلاً من الله القبول، شاكراً له على الوصول، مطلعها:

 

كملت مسافة كعبة الآمال = حمداً لمن قد من بالإكمال
وأراح مركبي الطريح من السرى = ومن اعتوار الحط والترحال
وأزاح عني قيد حب مواطني = وعلاقة الأحباب والأموال
وهموم أمهتي وحسرة إخواتي = وغموم عم أو خبال الخال
وتشاحن الأقران في رتب العلا = وملامة الحساد والعذال
وأعاذني من فرقة أفاكة = وأجارني من أمة جهال
أعني روافض أذربيجان الألى = هم أشنع المخلوق في الأفعال
ومضلها الكاشي إسماعيل إذ = قد حار لما شاب نار جدال
سحقاً له من مدع متزخرف = بعدالة من منكر مضلال
وغلاة فرس في حديث مسند = قد بشروا بإطاعة الدجال
وشرار أهل الطوس من سموا الرضا = ونفوسهم سموا أحبة آل
وفساد قطاع الطريق بخيبر = ومن المجوس وما لهم من وال
منعوا الأذان رعاية الإسلام إذ = ضلوا وخاضوا أبحر الإضلال

"وبعد وصوله تجرد ثانياً عما عنده من حوائج السفر، وأنفق ماله كله على المستحقين ممن حضر، فأخذ الطريقة العلية النقشبندية بعمومها وخصوصها، ومفهومها ومنصوصها، على شيخ مشايخ الديار الهندية، وارث المعارف والأسر المجددية، سباح بحار التوحيد، سياح قفار التجريد، قطب الطرائق، وغوث الخلائق، ومعدن الحقائق، ومنبع الحكم والإحسان والإيقان والرقائق، العالم النحرير الفاضل، والعلم الفرد المكمل الكامل، المتجرد عما سوى مولاه، حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي قدس سره.

واشتغل بخدمة الزاوية مع الذكر والمجاهدة، فلم يمض عليه نحو خمسة أشهر حتى صار من أهل الحضور والمشاهدة، وبشره شيخه ببشارات كشفية قد تحققت بالعيان، وحل منه محل إنسان العين من الإنسان، مع كثرة تصاغره بالخدم، وكسره لدواعي النفس بالرياضات الشاقة وتكليفها خطط العدم، فلم تكمل عليه السنة حتى صار الفرد الكامل العلم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

ولا غرو فإن من السالكين من وصل في لحظة، ومنهم من وصل في ساعة، ومنهم من وصل في يوم، ومنهم من وصل في اسبوع، ومنهم من وصل في شهر، ومنهم من وصل في سنة، ومنهم من وصل في سنين، كما هو مذكور في كتاب منهاج العابدين.

وشهد له شيخه عند أصحابه وفي مكاتيبه المرسولة إليه بخطه المبارك بالوصول إلى كمال الولاية، وإتمام السلوك العادي مع الرسوخ والدراية، والفناء والبقاء، الأتمين المعروفين عند الأولياء، وأجازه بالإرشاد، وخلفه الخلافة التامة في الطرائق الخمسة: النقشبندية والقادرية والسهروردية والكبروية والجشتية.

وأجاز له جميع ما يجوز له روايته من حديث وتفسير وتصوف وأحزاب وأوراد، واجتمع بإشارة من شيخه قدس سره بالعالم الفاضل، المدرس الواعظ الصوفي الكامل، صاحب التآليف النفيسة في التفسير، ورد الروافض بأبلغ تحرير، الشيخ المعمر المولى عبد العزيز الحنفي النقشبندي ابن العالم
العامل، المولى الكامل، ولي الله الحنفي النقشبندي رحمه الله تعالى. فأجاز له روايات الصحاح الستة وبعض الأحزاب، وكتب له إجازة لطيفة وصفه فيها بقوله: صاحب الهمة العلية في طلب الحق.

ثم أرسله بعد ملازمته سنة بأمر مؤكد لم يمكنه التخلف عنه إلى هذه الأقطار والبلاد ليرشد المسترشدين، ويربي السالكين، بأتقن إرشاد وشيعه بنفسه نحو أربعة أميال، ليأتي أوطانه ممتثلاً للأمر الواجب الامتثال، سائراً في طريقه براً مدة وبحراً نحو خمسين يوماً، لم يطعم طعاماً فيه ولم يشرب الماء متغذياً متروياً بالعبادة والذكر والمشاهدة والزهادة، حتى خرج من بندر مسقط إلى نواحي شيراز ويزد وأصفهان، يعلن الحق أينما كان، وكم مرة تجمع بعض الروافض لضربه وقتله، بعد عجزهم عن أجوبة أدلة عقله ونقله، فهجم عليهم بسيفه البتار، فنكصوا على أعقابهم وولوا الأدبار، ثم أتى همدان وسنندج فوصل السليمانية عام ألف ومائتين وستة وعشرين باستقبال أعيان وطنه معززاً مكرما، فقدم في تلك السنة بإشارة من شيخه مدينة الزوراء، ليزور السادة الأولياء، فنزل في زاوية الغوث الأعظم، سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلي قدس سره الأقوم، وابتدأ هناك بإرشاد
الناس، على أحكم أساس، فمكث نحو خمسة أشهر ثم رجع إلى وطنه بشعار الصوفية الأكابر، مرشداً في علمي الباطن والظاهر، ولما اطردت سنة الله في الذين خلوا من قبل، أن يجعل حساداً لكل من تفرد بالفضل، وكلما كان الكمال والمحبوبية أسد، كان الإنكار والحسد أشد، هاج عليه بعض معاصريه ومواطنيه بالحسد والعداوة والبهتان، ووشوا عليه عند حاكم كردستان، بأشياء تنبو عن سماعها الآذان، وهو بريء من كلها بشهادة البداهة والعيان، فلم يقابل صنيعهم الشنيع، إلا بالدعاء لهم وحسن الصنيع، فلم تخب نارهم، وما زاد إلا شرهم وعوارهم. " اهـ
 

فخلاهم وشأنهم في السليمانية، ورحل إلى بغداد عام ألف ومائتين وثمانية وعشرين مرة ثانية، فألف الذي تولى كبر البهتان من المنكرين رسالة عاطلة من الصدق والصواب، ومهرها بمهور إخوانه المنكرين مشحونة بتضليل القطب المترجم وتكفيره ولم يخشوا مقت المنتقم الشديد العقاب، وأرسلها إلى والي بغداد سعيد باشا يحرضه على إهانته، وإخراجه من بغداد بسعايته، فبصره الله تعالى بدسائسهم الناشئة من الحسد والعناد، وأمر بعض العلماء بردها على وجه السداد، فانتدب له العالم النحرير، الدارج إلى رحمة الله القدير، محمد أمين أفندي مفتي الحلة سابقا، وكان مدرس المدرسة العلوية لاحقا، بتأليف رسالة طعن بأسنة أدلتها أعجازهم فولتهم الأدبار ثم لا ينصرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ومهرت بمهور علماء بغداد، وأرسلت إلى المنكرين فسلقتهم بألسنة حداد، فخبت نارهم، وانطمست آثارهم، ورجع بعد هذه الأمور إلى السليمانية، محفوفاً بالكمالات الإحسانية،

وبالجملة انتفع به خلق كثيرون من الأكراد، وأهل كركوك واربل والموصل والعمادية وعينتاب وحلب والشام والمدينة المنورة ومكة المعظمة وبغداد، وهو كريم النفس حميد الأخلاق باذل الندى حامل الأذى حلو المفاكهة والمحاضرة، رقيق الحاشية والمسامرة، ثبت الجنان، بديع البيان، طلق اللسان، لا تأخذه في الله لومة لائم، يأخذ بالأحوط والعزائم، يتكفل الأرامل والأيتام، شديد الحرص على نفع الإسلام." اهـ


"وله من المؤلفات شرح لطيف على مقامات الحريري لكنه لم يكمل، وشرح على حديث جبريل جمع فيه عقائد الإسلام إلا أنه باللغة الفارسية، وأكثر شعره فارسي، وله فيه ديوان نظم بديع، ونثر يفوق أزهار الربيع، وهو الآن أعني تاريخ عام ألف ومائتين وثلاثة وثلاثين يدرس العلوم، من حديث وأصول وتصوف ورسوم، ويحيي للأولياء الرسوم، ويداوي الكلوم، ويربي السالكين على أحسن حال، وأجمل منوال، وقد مدحه أدباء عصره من مريديه وغيرهم بقصائد فارسية وعربية، ورحل إليه كثير من الأقطار الشرقية والغربية، وبابه محط رحال الأفاضل، ومخيم أهل الحاجات والمسائل، لا يشغله الخلق عن الحق، ولا الجمع عن الفرق، لا زال ظله ممدوداً، ولواء ترويج الشريعة والطريقة بوجوده معقوداً، آمين.

 

إن الذي قلت بعض من مناقبه = ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا


انتهى. ثم قال صاحب الحديقة سيدي محمد بن سليمان في رسالته المرقومة: ولقد حبب إلي أن أثبت هنا قصيدة نظمتها سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين في مدحه، مستندياً مستجيزاً من فيض فتحه، حتى تتخلد في الدفاتر، وتبقى من المآثر، وهي هذه برمتها.

 

تبدت لنا أعلام علم الهدى صدقا = فصار لشمس الدين مغربنا شرقا
وأشرق منها كل ما كان آفلاً = وأصبح نور السعد قد ملأ الأفقا
سقى الله من ماء المحبة وابلاً = قلوباً به هامت فقل كيف لا تسقى
لقد زهدوا فيما سواه فأصبحت = قلوبهم مملوءة للقا شوقا
لقد غرقوا في بحر حب إلههم = فناهيك من بحر وناهيك من غرقى
إذا ما سرت للسر أسرار شوقهم = لسيدهم زادوا لرتبته حرقا
قلوب سرت نحو الهدى بمعسكر = فعادت سهام الحب ترشقها رشقا
وجاء من التوحيد جيش عرمرم = فأفنى الذي أفنى وأبقى الذي أبقى
هم القوم لا يشقى جليسهم غداً = وهل أحد يحظى بقربهم يشقى
أبا خالد ذلت لديك عصابة = فوالاهم حباً وأدناهم وفقا
لك الله يا شمساً أضاء بنورها = من الدين ما قد كان أظلم وازرقا
سقيت قلوباً طالما شفها الظما = فأمطرتها من ماء علم الهدى ودقا
فأحييت منها كل ما كان ميتاً = ورقيت مها كل ما كان لا يرقى
وأخرجتها من كل جهل وظلمة = فمهما دجا ليل ألحت له برقا
وأدخلتها حسن التوكل مخلصاً = وأمسكتها للعز بالعروة الوثقى
شفيت بأنوار الغيوب قلوبنا = فاسمك تنشق القلوب له شقا
وقد كان سلطان الهوى متمكناً = فأوسعها ذلاً وعبدها رقا
فأعتقها من رقها بتلطف = فجوزيت من خير منحت الورى عتقا
إذا استبقت بالعارفين خيولهم = فخيلك بالتوحيد قد حازت السبقا
وإن ركبوا نحو المعارف مركباً = ركبت إليها في بحار الهوى عشقا
سموت بنور الله عن كل ناظر = فصرت ترى في الغيب ما لا ترى الزرقا
فأنت إمام العارفين ونورهم = ومنطقهم مهما أردت بهم نطقا
فعطفاً على من لا يلوذ بغيركم = بأن ترشقوه من ندى فيضكم رشقا
فأنتم كرام لا يضام نزيلكم = بجاهكم لا تمنعوا الوصل والعتقا
عليك سلام الله ما ذر شارف = وما صدحت شجواً لموكرها ورقا
وصل على المختار من آل =كما جاء بالحق الذي أظهر الحقا


"ومن خوارقه أن من جالسه ولازمه، وراعى الآداب ظاهراً وباطناً معه، انتفع من لحظه، واسترزق من رزقه المكنون في لفظه، من الأنوار والأسرار ووجد تأثير ذلك في الحال، وزهد قلبه عن حب الدنيا والجاه والمال، واستيقظ من نومه وأفاق متفكراً في المآل، وكاد أن يهجر الأهل والعيال، وهذه الخاصة لا توجد إلا عند الكمل من الرجال، فالحمد لله الذي شرفنا برؤيته، وأدخلنا في زمرته، وأسأل من رب العباد، أن يمن على المريدين بحصول المراد، إنه كريم رحيم جواد، ونعم ما قيل:

 

ومن بعد هذا ما تجل صفاته = وما كتمه أحظى لدي وأجمل


ثم ارتحل قدس سره من بغداد إلى الشام بأهله وعياله واستوطن دمشق، واشترى داراً رفيعة بالمحلة المشهورة بالقنوات، ووقف بعضها مسجداً لله تعالى وأقام فيه صلاة الجماعة في الأوقات الخمسة، وعمر فيها كثيراً من المساجد الخربة، وأحيا فيها كثيراً من الجوامع المندرسة، وذلك عام ثمانية وثلاثين ومائتين وألف. ولم يزل متردياً برداء الجود والكرم، ناشراً للعلم والفضائل والحكم، وامتدحه جمع من شعرائها وأدبائها بقصائد لطيفة، ومقاطيع منيفة، فمنها ما مدحه بعضهم بها في عام قدومه دمشق، وذلك عام ألف ومائتين وثمانية وثلاثين:




"هذا ولو أردت أن أذكر عشر معشار ما مدح به ذلك الأستاذ، والقطب الأوحد الفرد الملاذ، لخرجت عن منهج السداد، وتحولت عن الإيجاز الذي هو المراد، وعلى كل فشهرته في العالم كافية، وسيرته المحمودة سنية وافية، وقد أخذ سيدي الوالد عنه، وحصل جل نفعه طريقة وعلماً منه، ولازمه إلى انتهاء أجله، وكان غاية مراده ومنتهى أمله، وكان للسيد المترجم به عناية قوية، ومحبة أبوية، ولما قرب ارتحاله رضي الله عنه من دار الفناء، إلى دار البقاء، وآن أوان إجابة روحه الزكية، لأمر ربها راضية مرضية، كأن الله تعالى كشف له عن ذلك، فأمر بحفر القبر المبارك، وعين مكانه في الصالحية خارج دمشق الشام، في تل تحت جبل قاسيون مقابل مقام الأربعين، فاستقاموا في حفره ثلاثة أيام، فبعد أن تم الحفر بيوم أو يومين ابتدأه المرض يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر ذي القعدة عام ألف ومائتين واثنين وأربعين. وتوفي ليلة الجمعة رابع عشره بالطاعون، فجمع الله له بين شهادات متعددة:

الطاعون والجمعة والغربة وطلب العلم، ودفن في القبر الذي أمر بحفره. وقد بنى حضرة السلطان الأعظم والخاقان الأفخم السلطان عبد المجيد خان، رحمه الله رحمةً دائمة إلى آخر الزمان، على قبره الشريف بناء جميلاً مشتملاً على قبة على القبر الشريف ومسجداً وعدة مقاصير للمريدين المتجردين، ومطبخاً وبركة عظيمة للماء، وجميع ذلك في محله ظاهر معروف مشهور مقصود للزائرين والواردين. وقد رثاه الفاضل النبيل، جناب الشيخ إسماعيل بقوله:


والمراثي في حقه كثيرة، وهي به حقيقة وجديرة، أضربنا عن ذكرها خوف التطويل، على أن كثرة المدح، وإطالة الشرح في حقه أمر قليل" اهـ
.
 

ما للجبال الراسيات تميل = ما للبدور يرى بهن أفول
ما للظلام يجر ذيل ردائه = فوق الضياء فلم يقله مقيل
ومخدرات الحر تنثر لؤلؤاً = من دمعها فوق الخدود يسيل
والورق أكثرت النواح مخضباً = كف البطائح دمعها المهمول
والدهر ألبس أهله حلل العنا = وعلا رياض الشام منه ذبول
والحزن قام على منابر حينا = أبداً خطيباً لا يكاد يزول
والأرض ترجف والنوائب أدهمت = والبين يهجم والخطوب تجول
هذا مصاب ليس يحدث مثله = تالله كم دهشت لديه عقول
ماذا بدا في الكون يا أهل النهى = هل مخبر عني الشكوك يزيل
هل كان يوم الصعقة الأولى هل = دهم الورى بالصور إسرافيل
أم زلزلت تلك القيامة وانطوت = حجب الحياة وعاجل التهويل
أفصح لنا عما بدا يا ذا الحجا = فغدا لسان الحال منه يقول
قف وانتبه ما قد بدا فيما استوت = فيه الخلائق عالم وجهول
قد مات كهف العلم سلطان التقى = حبر له المعقول والمنقول
سند السيادة والرياسة للورى = قاصٍ ودانٍ فضله مأمول
صدر المجالس إن بدا فكأنه = النعمان يروي عن عطا ويقول
بحر أفاض على الورى مدراره = فروى العطاش زلاله المعسول
وتفجرت منه ينابيع حلا = منها لوراد الهدى التعليل
بكت العيون على فراقك سيدي = وبكاؤها لك بالدماء قليل
وافى ضياء الدين بدر زمانه = قطب الوجود وللعلا إكليل
عند المليك الحق قد أضحى له = في مقعد الصدق الأجل مقيل
هيهات إن جاد الزمان بمثله = إن الزمان بمثله لبخيل
يا خالداً في حضرة القدس التي = كم طاح دون فنائها مقتول
أدناك ربك منزلاً ترقى به = فلك الشهود وكم بذاك نزول
وأباح روحك حضرة قدسيةً = عند المهيمن ما لها تبديل
وأناخ سحب الفضل تهطل دائماً = بفناء رمسك لا تكاد تزول
ما قال إسماعيل يرثي سيداً = ما للجبال الراسيات تميل
(حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر لعبد الرزاق البيطار - ج1 ص1216 - 1256

 



[تعاليم] [سادة] [الشيخ ناظم] [تصوف] [اتصالات] [السلسلة المباركة]